المصعد كان هادي لدرجة تخليك تسمع دقات قلبك. واقف هيبته تسبقه، طول بعرض، ولابس جلابية صعيدي سودة من أفخم أنواع القماش، تفصيلتها مبينة عرض كتافه وقوته. “يونس الهواري”… راجل ملامحه حادة زي السيف، وعيونه كحلية بنظرة صقر تخلي اللي قدامه يبص في الأرض هيبة وخوف.
وهو واقف مستني المصعد يوصل للدور الأخير في الفندق الفخم وسط القاهرة، الباب كان خلاص بيقفل… لحد ما إيد ناعمة منعت الباب فجأة.
دخلت هي… “نور”.
الإعصار الصغير
دخلت الأسانسير وهي بتنهج، شعرها الغجري متبعثر بشكل فوضوي، ولابسة فستان جينز قصير وكأنها كانت بتجري من مصيبة.
ملامحها كانت رقيقة بس “مجنونة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. دخلت ووقفت في أبعد زاوية في الأسانسير وهي بتلتفت وراها بخوف، وبعدين بصتله من تحت لفوق بنظرة سريعة.
شافت الجلابية، الدقن الخفيفة، والملامح الرجولية الحادة. في ثانية، حكمت عليه بمظهره التقليدي إنه “راجل صعيدي بسيط مش هيفهم لغتها”.
طلعت موبايلها بسرعة وفتحت فيديو كول مع صحابها، وبدأت تتكلم بسرعة وبتوتر باللغة الإنجليزية:
”Oh my god, girls! You won’t believe how I escaped from that stupid party! I’m in the elevator right now…”
(يا إلهي يا بنات! لن تصدقن كيف هربت من تلك الحفلة الغبية!
أنا في المصعد الآن…)
بصت لـ يونس بطرف عينها، وقربت الموبايل من بوقها وهمست بالإنجليزية وهي واثقة تماماً إنه مش فاهم ولا كلمة:
”I think there’s a traditional Sa’idi guy here… He’s wearing that long Galabeya. Don’t worry, he doesn’t understand a single word of English. He probably thinks I’m speaking in Chinese!”
(أظن أن هناك رجلاً صعيدياً تقليدياً هنا… إنه يرتدي ذلك الجلباب الطويل. لا تقلقن، هو لا يفهم كلمة واحدة من الإنجليزية. ربما يظنني أتحدث الصينية!)
اللعب مع الصقر
يونس ملامحه متهزتش شعرة. كان باصص لوشوشة الأرقام بتاعة الأسانسير وهي بتنور فوق الباب.
بس جواه، كان فيه ابتسامة سخرية وغضب مكتوم من استهزائها بيه وبأصله.
بهدوء مم.يت، يونس لف جسمه بالكامل ناحيتها. خطوة واحدة منه خلت المساحة بينهم تتلاشى. نور لقت نفسها محاصرة بين جدار الأسانسير البارد وجسمه حكايات مايا خالد الرياضي الضخم اللي بيشع حرارة وهيبة.
نور بلعت ريقها وصحابها على الموبايل سكتوا لما شافوا الكادر بيتحرك وظهر فيه يونس وهو بيقرب وعيونه بتلمع بحدة.
يونس بصلها بعيونه الكحلية، ومال عليها شوية لحد ما أنفاسه لفتت وشها، وقال بلكنة إنجليزية بريطانية مثالية، وصوت رجولي واطي فيه بحة تخطف الأنفاس:
”First of all, sweetheart… it’s called a ‘Galabeya’.
Second, this ‘traditional Sa’idi’ has a master’s degree from Oxford. So yes… I understand every single word your pretty mouth just said.”
(أولاً يا حلوة… اسمه “جلباب”. ثانياً، هذا “الصعيدي التقليدي” يحمل شهادة الماجستير من جامعة أكسفورد. لذا نعم… أنا أفهم كل كلمة نطق بها فمكِ الجميل للتو.)
نور اتسمرت مكانها، عيونها اتسعت من الصدمة والموبايل كان هيقع من إيدها، والدم هرب من عروقها.
يونس مسبش الصدمة تفوق منها، كمل كلامه وضغط على حروفه بلكنة صعيدية تقيلة ومرعبة هزت كيانها:
”وعاد رجال الصعيد يا بت الناس… مبيحبوش حد يقلل من جدرهم واصل.
نزلتِك الجاية دي هتبقى معايا، وريني بقى الصعيدي اللي مبيفهمش هيعلمك الأدب كيف؟”
مد إيده الطويلة وبصابعه القوية قفل مكالمة الفيديو من موبايلها وهو بيبص في عيونها مباشرة، والأسانسير أصدر رنين وصوله للدور المطلوب… والباب اتفتح على بداية حكايتهم السوداء.
الأسناسير أصدر رنين وصوله للدور الأخير… الجناح الملكي الخاص بـ “يونس الهواري”.
الباب اتفتح ببطء، ونور واقفة مكانها زي التمثال، عيونها بتتحرك برعب بين الممر الفاضي والمظلم وبين الراجل اللي واقف قدامها وسادد بنص كتافه المخرج. ض.ربات قلبها كانت مسموعة لدرجة إنها خافت يكون سامعها.
هروب بلا مخرج
حاولت تستجمع شجاعتها، وبصتله بتحدٍ طفولي وهي بتضم موبايلها لصدرها:
”لو سمحت… عديني. وإلا هصوت وألمّ عليك أمن الأوتيل كله!”
يونس ابتسم ابتسامة باردة مفيهاش أي دفا، ومال براسه لورا وهو بيحط إيديه في جيوب جلابيته الواسعة بكل برود:
”صوّتي…
الجناح ده كله محجوز لـ يونس الهواري، والأمن اللي تحت عاد، بيقبضوا مراتبهم من مجالس إدارتي. يعني صوتك ده مش هيعدي عتبة الأسانسير يا قطة.”
نور بلعت ريقها، لقت نفسها مفيش قدامها غير حل واحد… الهروب الفوضوي.
حاولت تزق كتفه وتجري من تحت دراعه بسرعة، بس في ثانية واحدة، وبحركة سريعة ومتقنة، إيد يونس القوية كانت لفت حوالين وسطها وضمتها ليه. ظهرها لزق في صدره العريض، وحست بأنفاسه السخنة بتلف رقبتها.
صوت غضبه المكتوم وهيبته الصعيدية رجعت تسيطر على المكان:
”على فين بالسرعة دي؟ إحنا لساتنا مخلصناش حديتنا، ولا أصل أهل المحروسة ميعرفوش الأصول؟”
”سيبني!
أنت فاكر نفسك مين؟” صرخت بنبرة مهزوزة وهي بتحاول تفك إيده القوية اللي كانت شبه الكلبشات الحديدية حوالين وسطها.
يونس لفها بهدوء عشان تبقى وشه في وشها، وبإيده التانية مسك دقنها ورفع راسها عشان تبص في عيونه الكحلية اللي كانت بتلمع تحت إضاءة الممر الخافتة:
”أنا مين؟ أنا الصعيدي اللي كنتِ لساتك بتمسخري عليه مع صحابك. يونس الهواري… والاسم ده لوحده واعر جوي في مصر كلها، مش بس في الصعيد.”
الليلة المظلمة
نور دمعة غصب عنها نزلت من عيونها من كتر التوتر والخوف، وبصوت مرتعش قالت:
”أنا… أنا مكنتش أصدق… أنا بس كنت متوترة…
فيه ناس بيجروا ورايا تحت، أرجوك سيبني أمشي…”
يونس ملامحه اتحولت فجأة من التسلية للجدية والحدة الصارمة. عيونه نزلت لفستانها القصير المتبهدل، ورجع بص لوشها المخطوف:
”ناس مين اللي بيجروا وراكي؟ وبنت مين أنتِ أصلاً عشان تدخلي أوتيل يونس الهواري بالطريقة دي؟”
قبل ما تنطق بكلمة، صوت خطوات رجالة كتيرة وسريعة جاي من السلم الجانبي للأوتيل ملى الممر. نور اتنفضت من الخوف ولزقت في حضن يونس تلقائياً وهي بتمسك في قماش جلابيته بقوة:
”همّ… همّ دول! أرجوك مخلهومش ياخدوني!”
يونس ملامحه متهزتش. بصلها وبص للممر اللي بدأ يظهر فيه رجالة ببدل سوداء ملامحهم إجرامية.
ضغط على وسطها وقربها منه أكتر وكأنه بيعلن حمايته ليها، وبصوت جهوري هز جدران الممر، اتكلم بلهجته الصعيدية الأمرة:
”اقف عندك أنت وهو! عتبة جناح الهواري خط أحمر… واللي هيخطيها، هيدفن مكانها!”
حكايات مايا خالد
الرجالة اللي ببدل سوداء وقفوا مكانهم فجأة وكأن جملة يونس كانت جدار خرساني سد طريقهم. ملامحهم المريبة وبنيتهم القوية كانت توحي إنهم مش مجرد حراس أمن عاديين، دول رجالة مدربين على الوساخة.
واحد منهم، كان باين إنه القائد بتاعهم، خطى خطوة لقدام وعينه على نور اللي كانت مستخبية ورا ضهر يونس، ماسكة في قماش جلابيته بإيدين بتترعش وكأنها بتتعلق بقشاية في وسط طوفان.
الراجل اتكلم بنبرة جافة وفيها تهديد مبطن:
”يا باشا، البنت دي تخصنا… دي واخدة حاجة مش بتاعتها وهربت من الحفلة اللي تحت. سلمنا البنت بالذوق ومش عايزين مشاكل مع جناب الهواري.”
حماية الصقر
يونس ملامحه متهزتش، عيونه اسودت أكتر، وارتسمت على شفايفه نص ابتسامة باردة ومخيفة.
رجع خطوة لورا وهو بيسحب نور معاه لداخل حدود جناحه الملكي، وبصوت هادي بس مرعب زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة، قال:
”تخصكم؟ وعاد من ميتى حريم المحروسة بقوا يتسلموا بالذوق لرجالة غريبة في نص الليل؟”
نبرة صوته الصعيدية اتحولت لحدة تقطع النفس وهو بيكمل:
”البنت دخلت حمايتي… وعتبة جناحي دي، اللي يخطاها برجل سارقة، يرجع لبلده من غيرها. فوتونا بالواسطة وغوروا من وشي قبل ما أخلي ليلتكم كحل.”
قائد الرجالة ملامحه اتشنجت، وإيده راحت تلقائيًا ناحية جيب جاكتته الداخلي عشان يسحب سلا*حه.
بس يونس كان أسرع بكتير.
في ثانية واحدة، يونس سحب مسد*سه الفضي اللي كان مخبيه تحت طيات جلابيته، ووجهه مباشرة لمنتصف جبهة الراجل بسبات وعيون مبرمش منها جفن.
نور شهقت وغمضت عيونها وهي بتكتم صرختها في كف إيدها.
يونس اتكلم ببرود مم.يت:
