
مصطفى الشناوي وصل عند بيت حماته وهو شايل ورق الطلاق في ظرف بني، وكان جواه يقين تام إن مراته مبقتش تطيقه ولا تحبه.
طول الطريق من التجمع لحد هناك كان عمال يعيد ويزيد في الكلام اللي هيقوله. مش هيعلي صوته، مش هيطلب تبريرات، ولا هيترجى منة تفتكر الـ 9 سنين اللي عاشوها مع بعض. كل اللي هيعمله إنه هيحط الظرف قدامها، ويديها القلم، ويرضى بالواقع إن حياتهم سوا انتهت.
بس قبل ما يمد إيده ويخبط على الباب، سمع صوت مراته وهي بتعيط بحرقة من ورا الشباك الموارب بتاع الصالة.
مصطفى اتسمر في مكانه ومبقاش عارف يتحرك.
بقالها قريبة السنة، منة كانت زي الغريبة في شقتهم. الست اللي كانت بتستقبله زمان بضحكة ووش ينور، مبقتش حتى تسأله يومه في الشغل مشي إزاي. مبقتش تقعد جنبه وهي بتتفرج على التلفزيون، ولا بتنام قريبة منه زي الأول.
وفي العشا يدوب بتاكل لقمة وتقوم، وأول ما مصطفى يدخل أوضة، كانت بتتلكك بأي حاجة وتخرج منها. وحتى في إجازة أخر الأسبوع، كانت بتاخد بعضها وتسافر لوالدتها، الحاجة كريمة، في بيتها القديم في مصر الجديدة.
في الأول، مصطفى قال لنفسه يمكن هلكانة من الشغل.
منة شغالة مسؤولة إدارية في مستشفى استثماري كبير في المهندسين، وبدأت الفترة الأخيرة تاخد نبطشيات زيادة وبقت ترجع متأخر عن الأول بكتير.
ومصطفى كمان كان طالع عينه؛ لأنه بيدير شركة مقاولات صغيرة بناها عرق جبينه خطوة بخطوة، وكان مقضي أيامه بين مواقع التجمع والعاصمة، وموردين، ومشاريع متأخرة. كان كل حلمه يشتري ليها شقة أكبر في كمبوند نظيف ويوفرلها العيشة المرتاحة اللي حلموا بيها سوا لما اتجوزوا.
بس في الوقت اللي كان هو بيحارب فيه عشان يضمن بكرة، كان جوازهم بيضيع منهم في النهاردة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كل مكالمة منة مكنتش بترد عليها كانت بتبذر في دماغه الشك.
كل رسالة بتمسحها من على الواتساب كانت بالنسبة له دليل.
وكل نزلة لمصر الجديدة عند أمها كانت بتكبر جواه سؤال مكنش قادر ينطقه: هو في راجل تاني في حياتها؟
عمره ما لقى صورة، ولا شات مريب، ولا كذبة قفشها عليها. مكنش عنده غير السكوت والبعد. بس لما الخوف والشك بيدخلوا البيت، أي فراغ بيتميلى بأسوأ سيناريو ممكن.
مصطفى حاول يتكلم معاها كذا مرة:
— فيكي إيه يا منة؟ تعبانة؟
فكانت بترد بابتسامة باهتة وتعبانة:
— مفيش، مجهدة شوية من المستشفى، متقلقش.
— مابقتيش تبصيلي ولا تتكلمي معايا زي الأول.
— ضغط شغل ومشاكل في الإدارة مش أكتر.
— في حد تاني في حياتك يا منة؟
السؤال ده خلا الدم يهرب من وشها تماماً وصفرت:
— لا يا مصطفى، طبعاً لا.
— أمال في إيه؟ فهميني!
— مفيش.
الكلمة دي كانت بتدبحه أكتر من لو كانت اعترفت… “مفيش”.
كلمة صغيرة أوي بس وراها سد عالي من البعد والجفاء.
الليلة اللي قرر فيها يروح لمكتب محامي في وسط البلد، قعد مصطفى ومنة يتعشوا في صمت قاتل، مكنش مسموع في الشقة غير صوت تكتكة ساعة المطبخ.
عينها كانت منفوخة ومحمرة كأنها كانت بتعيط في الحمام قبل ما تقعد.
مصطفى كان نفسه ياخدها في حضنه ويهون عليها، بس افتكر كام مرة حاول يقرب وهي بتصده وتتحجج بالنوم.
قام من على السفرة، وودى طبقه للمطبخ وقال بنبرة مكسورة:
— اعتقد مفيش كلام تاني ينفع نقوله لبعض يا منة.
منة غمضت عينها ونزلت دموعها وقالت:
— يمكن كده أحسن لينا احنا الاتنين.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
مصطفى فهم كلامها ده على إنه شهادة وفاة لجوازهم.
مكنش يعرف إن منة خرجت من المستشفى في اليوم ده وهي معاها لستة تحاليل ومعاد لعملية خطيرة في المخ، يا إما هتعيش بعدها يا إما هتودع الدنيا.
بعد أسبوعين، المحامي سلمه ورق دعوى الطلاق والاتفاق:
— مش باقي غير إمضاكم انتوا الاتنين يا بشمهندس… إنت استخرت ومقتنع؟
مصطفى بص للسطر الفاضي اللي المفروض مراته تمضي عليه وقال:
— هي اللي باعت وأنهت الموضوع ده من شهور، أنا بس بريحها.
الصبح لما قرر يروح يديها الورق، لقى الشقة في التجمع فاضية، ومنة سايبا له ورقة صغيرة على السفيرة: “رحت لماما مصر الجديدة، هأرجع على المغرب”.
مصطفى كان ممكن يسيب الظرف جنب الورقة ويمشي، بس في حاجة جوا قلبه منعتنه. يمكن كان لسه عشمان في تفسير أخير، أو يمكن كان محتاج يشبع عينه منها ويبص في وشها للمرة الأخيرة قبل ما يقفل الصفحة دي ويداوي جرحه.
ركب عربيته وساق لحد مصر الجديدة.
لما وصل تحت البيت، شاف عربيتها مركونة. طلع السلم ووقف قدام الباب ورفع إيده عشان يرن الجرس… بس في اللحظة دي سمع اسمه من ورا الباب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
منة كانت بتقول لوالدتها جوه في الصالة وهي بتموت من العياط:
— مصطفى مش لازم يعرف أي حاجة دلوقتي يا ماما، أرجوكي.
مصطفى قرب ودنه من الشباك السلك بتاع المطبخ اللي على المنور عشان يسمع.
الحاجة كريمة ردت عليها بصوت مخنوق:
— يا بنتي ميعادكيش ينفع تخبي أكتر من كده، إنتي صحتك بتروح وبتنتهي قدام عيني، والعملية الأسبوع الجاي!
— لو عرف هيبيع الشركة والمعدات اللي حيلته.
— بس ده جوزك وسندك!
— عشان جوزي وحبيبي بالظبط أنا خايفة عليه… مصطفى لو عرف هيلغي كل عقود المقاولات، ويرهن الأراضي، وهيقعد تحت رجلي في المستشفى ليل نهار.
هو بقاله سنين بيموت نفسه عشان يبني اسمه ويحقق حلمه، مش هكون أنا السبب الملعون اللي يهد كل ده في لحظة.
مصطفى حس بصدمة وجسمه كله سقع وكأن دمه اتجمد في عروقه.
أمها سألتها وهي بتشهق من البكا:
— يهد إيه ويبني إيه يا بنتي! إنتي مش حمل، دي حياتك!
— الدكاترة في المستشفى قالوا لي نسب نجاح العملية مش كاملة، يعني مش ضامنين أطلع منها عايشة أصلاً…
الظرف البني اللي فيه ورق الطلاق بدأ يترعش ويتأرجح في إيد مصطفى…
تراجع مصطفى خطوتين لورا وهو ساند ضهره على حيطة السلم، حاسس إن الأرض بتلف بيه. نفسه بيكتم، والظرف البني اللي في إيده فجأة بقى وزنه يوزن جبال. الورق اللي كان فاكره صك كرامته، طلع سكين طاعن بيه الست اللي ضحت بوجودها جنبه عشان تحميه.
تذكر كل لحظة شك، كل نظرة جفاء، كل مرة سابت الأوضة وخرجت فيها… مكنتش بتهرب منه، كانت بتهرب بوجعها عشان ملمحش في عينها الضعف. النبطشيات الزيادة مكنتش شغل، كانت فحوصات وجلسات وتحاليل في المستشفى اللي شغالة فيها وسط زمايلها الدكاترة عشان تداري عليه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
المواجهة المزلزلة
مسح مصطفى دموعه اللي نزلت من غير ما يحس، وبحركة سريعة، قطع الظرف البني نصين ورماه على السلم.
مستناش ثانية، وضغط على جرس الباب بقوة وإصرار.
جوه الشقة، الصوت سكت تماماً.
ثواني وفتحت الحاجة كريمة والدموع لسه مغرقة وشها، وأول ما شافت مصطفى وشها اصفر واتخضت:
— مصطفى! يبني إنت جيت إمتى؟
مصطفى ماردش عليها، دخل الشقة بخطوات واسعة وعينه بتدور على منة. شافها واقفة في صالة البيت، وشها شاحب، خاسة للنص، وعينها المنفوخة بتبص له برعب كأنها اتفاجأت بوجوده.
منة حاولت تصطنع الجمود وتداري رغيف العيش والمنديل اللي في إيدها:
— مصطفى؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟ احنا مش اتفقنا…
مكملتش الكلمة. مصطفى مشي ناحيتها وبكل ما فيه من وجع وحب، سحبها لحضنه وقفش فيها كأنه خايف تضيع منه لو سابها.
منة اتسمرت في مكانها، حاولت تزقه وهي بتعيط:
— سيبني يا مصطفى.. ابعد عني.. إنت بتعمل إيه؟
مصطفى دفن وشه في كتفها وصوته طلع مخنوق ومكسور:
— سامعك.. أنا سمعت كل حاجة من ورا الباب يا منة. بتموتيني صاحي عشان تحمي شوية طوب وأراضي؟ بتبيعيني عمرك عشان شركة مقاولات؟! ملعون أبو الشغل على أبو الفلوس اللي تخليني مش شايف تعب مراتي وحبيبتي!
منة أول ما سمعت الجملة دي، كل حصونها اتهدت. طاقة المقاومة اللي كانت عايشة بيها سنة كاملة خلصت، وانهارت في حضنه وهي بتبكي بصوت مسموع وبتترعش:
— مكنتش عايزة أكسرك يا مصطفى.. مكنتش عايزة أشوفك عاجز ومش بإيدك حاجة.. الدكاترة قالوا الأمل ضعيف.. مكنتش عايزة أسيبك مديون ومكسور الظهر.
خطة الحرب.. وبداية الرحلة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
مصطفى مسك وشها بإيديه الاثنين، وبص في عينها بنظرة حاسمة مفيهاش أي تردد:
— أنا مش هكسر، وإنتي مش هتموتي. احنا هنحارب المرض ده سوا، وزي ما بدأنا من الصفر ورجلينا شالتنا، هنعدي الأزمة دي.

