منوعات

انا عيناكي

لم تختفِ كما أخبرني… كانت تعيش طوال هذه السنوات في حياتي… لكن في الأماكن التي لا تستطيع امرأة عمياء أن تراها. أمسكت هاتفي بقوة، وضغطت زر الطوارئ. لاحظ أنس ما أفعل، فتبدلت ملامحه بالكامل. اختفى الزوج الحنون… وظهر الرجل الذي يخشى انكشافه. قال بصوت حاد: — لا تفعليها. سألته بهدوء: — لماذا؟ هل تخاف من الحقيقة؟ اقترب خطوة أخرى. — أخاف أن تدمري حياتنا بسبب سوء فهم. ابتسمت بمرارة. — حياتنا؟ أنت بعتها منذ زمن… قطعةً بعد قطعة.

مد يده نحو الهاتف. — أعطني إياه. — مستحيل. في تلك اللحظة اندفع نحوي. لكنني كنت أعرف الشقة أكثر مما يعرفها هو. عامان من الظلام جعلا خطواتي تحفظ كل زاوية فيها. تعمدت إسقاط كوبي المفضل على الأرض. تحطم الخزف بصوت حاد. توقف أنس غريزيًا للحظة، وكانت تلك اللحظة كافية. التقطت الزجاجة وقذفتها بعيدًا نحو الصالون. والمثير أنه لم يركض خلفي… بل ركض خلف الزجاجة. حينها فقط تأكدت أن ما بداخلها هو أخطر ما يملكه. وفي اللحظة نفسها، جاءني صوت موظفة الطوارئ:

— عمليات الشرطة… ما طبيعة البلاغ؟ قلت بسرعة: — اسمي ماجدة… زوجي حاول تسميمي وإبطاء تعافي بصري، وهو يحاول الآن التخلص من دليل الإدانة. تجمد أنس مكانه. وفي الممر بدأت إلهام بالبكاء. سألتني الموظفة: — هل أنتِ في مكان آمن؟ — لا. — حاولي إغلاق الباب على نفسك، والدورية في طريقها إليك. نظر إليّ أنس طويلًا، ثم قال بصوت بارد: — لقد ارتكبتِ أكبر خطأ في حياتك. أجبته وأنا أحدق في عينيه: — لا… أكبر خطأ ارتكبته كان عندما ظننت أن هدوءك دليل حب.

ركضت نحو غرفة الضيوف، وأغلقت الباب بالمفتاح. بدأ يطرق الباب بعنف. ثم عاد صوته هادئًا كما كان دائمًا. — افتحي يا ماجدة… سنخبر الشرطة أنكِ فهمتِ الأمور بطريقة خاطئة، وإلهام ستشهد بذلك. ساد صمت قصير. ثم جاء صوت أختي من الخارج: — لا… توقف أنس. — ماذا قلتِ؟ كانت تبكي وهي تقول: — لن أكذب بعد اليوم. ساد الصمت ثانية. ثم قالت بصوت متقطع: — لقد خدعتني أنا أيضًا… قلت لي إن القطرات وصفها الطبيب… وإنها لن تستعيد بصرها بالكامل… وإن نقلها إلى دار رعاية سيكون لمصلحتها.

أغمضت عيني. حتى وأنا أستعيد بصري… كان الألم يجعلني أرغب في الاختباء داخل الظلام من جديد. دار رعاية؟ إذن كانت الخطة أكبر من مجرد خيانة.
كان يريد تجريدي من كل شيء… مالي… وبيتي… وأهلي… ثم التخلص مني قانونيًا. وفجأة سمعت صرخة إلهام. فتحت الباب بسرعة. كان أنس يمسك معصمها بقوة. وحين رآني، تركها فورًا، وعاد يرتدي قناع الرجل المهذب. قال بابتسامة باردة: — حسنًا… فلننتظر الشرطة جميعًا. لكنني لمحت هاتفه. كان يجري اتصالًا. سألته: — بمن تتصل؟

ابتسم بثقة وقال: — بشخص يعرف كيف تختفي المستندات قبل أن تصل إليها الشرطة. فهمت قصده فورًا. لم يكن يخشى نفسه… بل كان يخشى الأوراق التي تثبت كل شيء. رفعت هاتفي واتصلت بأمي. أجابت من أول رنة. — وصلتِ يا ابنتي؟ قلت بسرعة: — اسمعيني جيدًا… اذهبي إلى المعرض فورًا… افتحي خزنة أبي… خذي كل عقود الملكية والملف الأحمر… ولا تدعي أحدًا يدخل. ساد صمت قصير. ثم قالت بثبات لم أعرفه فيها من قبل: — أنا في الطريق.

حينها فقط شعرت أنني لست وحدي. شحب وجه أنس. أدرك أن اللعبة بدأت تفلت من يديه. وبعد دقائق، دوّت صفارات الشرطة في الشارع. وللمرة الأولى منذ عامين… لم أكن أنا من يرتجف. بل هو. دخل رجال الشرطة، وحاول أنس أن يستعيد شخصية المحامي الوقور. قال لهم بهدوء: — زوجتي خرجت للتو من عملية جراحية، وهي في حالة نفسية صعبة… قاطعته فورًا. — الزجاجة هناك. التقطها أحد رجال الشرطة بالقفازات. ثم سلمتهم هاتفي. كانت رسالة الدكتور بليغ ما تزال على الشاشة.

وفي تلك اللحظة خرجت إلهام من الممر، وقد ارتدت ملابسها على عجل. رفعت رأسها وقالت بصوت مرتجف: — أريد أن أدلي بشهادتي. التفت إليها أنس بذهول. — إلهام! لكنها لم تتراجع. قالت والدموع تملأ عينيها: — كان يطلب مني أن أضع لها القطرات عندما يغيب… وكان يقول إنها دواء… وكان يحدثني عن التواقيع… ويضحك لأنه كان يوجه إصبعها إلى أي ورقة يريدها. ساد الصمت. وللمرة الأولى منذ عرفته… اهتز صوت أنس وهو يقول: — إنها تكذب.

لكن أحدًا لم يصدقه هذه المرة. اقتيد بالأصفاد في تلك الليلة. ولم يلتفت نحوي ولو مرة واحدة. فالرجال الذين يعيشون على الخداع… لا يحتملون النظر في عيون من كشف حقيقتهم. — مرت الأشهر التالية بين التحقيقات، وتقارير السموم، والمحاكم. أكد الدكتور بليغ أن المادة الموجودة داخل القطرات لم تكن تهدف إلى إصابتي بالعمى الدائم. بل كانت أخبث من ذلك. كانت تؤخر تعافي بصري فقط… لتجعلني أظل محتاجة إلى أنس أطول فترة ممكنة. قال لي الطبيب يومها:

— لم يكن يريدك أن تفقدي بصرك… بل كان يريد ألا تستعيديه. وظلت هذه الجملة تطاردني طويلًا. لأنها لم تكن تصف المرض… بل كانت تصف أنس نفسه. رجل لا يحطم ضحيته دفعة واحدة… بل يسلبها قوتها ببطء، حتى تظن أن ضعفها قدر لا مفر منه. أما إلهام، فقد خضعت للتحقيق أيضًا. وبعد أشهر جاءت لرؤيتي. كانت مختلفة تمامًا. لا زينة… ولا ثقة زائفة… ولا ذلك اللون الأحمر الذي كانت تحبه. وقفت أمامي وقالت: — لا أطلب منكِ أن تسامحيني… أردت فقط أن أخبرك أنني سأرحل.

سألتها: — هل أحببته؟ أطرقت طويلًا قبل أن تجيب: — أحببت الشخص الذي جعلني أشعر أنني مرئية. نظرت إليها بهدوء. ثم قلت: — ولذلك وافقتِ أن أصبح أنا غير مرئية بدلًا منك. انفجرت بالبكاء. أما أنا… فلم أبكِ. قلت لها: — لا أستطيع مسامحتك الآن. هزت رأسها وقالت: — أعرف. ورحلت. — وفي الشتاء التالي، صدر الحكم. أُدين أنس بمحاولة التسميم، واستغلال ضعفي، والتزوير، والاحتيال على ممتلكاتي. خسر مكتبه… وخسر اسمه… وخسر صورته التي كان يخفي خلفها قسوته.

وعندما خرجت من المحكمة، لم أشعر بالانتصار. فالعدالة لا تعيد السنوات الضائعة. لكنها تمنع الظالم من سرقة سنوات أخرى. بعد عام كامل… أعدت افتتاح معرض والدي باسمي. وفي ليلة الافتتاح، وقفت أمام لوحة جديدة. كانت صورة لمطبخ فارغ… وكوب مكسور… ونافذة يغمرها الضوء. أطلقت عليها اسم: “ما رأيته أولًا”. سألني أحد الحاضرين: — ولماذا هذا الاسم؟ ابتسمت. ثم نظرت إلى اللوحة طويلًا وقلت: — لأن أول شيء رأيته في ذلك اليوم لم يكن الخيانة… ولا الزجاجة…

ولا الكذبة. أول شيء رأيته حقًا… كان نفسي. امرأة وقفت على عتبة بابها. مكسورة… لكنها لم تكن مهزومة. ومنذ ذلك اليوم، أدركت أن استعادة البصر ليست أعظم معجزة. المعجزة الحقيقية… أن ترى الحقيقة قبل أن ينجح أحد في إقناعك بأنها ليست موجودة. تمت لصفحة روايات وردة .

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى