
لم أرَ الضوء منذ سنتين، وثلاثة أشهر، وسبعة عشر يومًا. وحين أزال الدكتور بليغ آخر رباط عن عينيّ في مستشفى الشفاء، لم أبكِ كما توقع الجميع. كل ما فعلته هو أنني حدقت في السقف الأبيض، ثم في ملامح الطبيب التي بدأت تتضح أمامي شيئًا فشيئًا. رفع يده أمام وجهي وسأل مبتسمًا: — كم إصبعًا ترين يا ماجدة؟ ابتلعت ريقي بصعوبة. — ثلاثة. اتسعت ابتسامته، بينما انفجرت أمي بالبكاء من شدة الفرح. أما أنا… فبقيت صامتة.
لم يكن لأنني غير سعيدة، بل لأن الضوء كان مؤلمًا، والألوان تعود بسرعة أربكتني، ولأن هذه المعجزة التي انتظرها الجميع كانت تحمل معها خوفًا لم أخبر به أحدًا. طوال عامين، لم أعرف العالم إلا من خلال صوت زوجي أنس. كان يوقظني صباحًا قبل أن تشرق الشمس، ويضع كوب الشاي بين يدي قبل أن أطلبه. يقودني برفق داخل المنزل، يخبرني أين أجلس، وأين أجد كوب الماء، ويختار لي فستاني كل صباح، ثم يصف لي لون السماء، والأشجار، والناس في الشارع، وكأنه يرسم العالم بصوته.
كان يقرأ لي الروايات في المساء، ويتوقف عند المقاطع التي أحبها حتى أحفظها عن ظهر قلب. وكان كلما شعرت بالعجز، يبتسم ويقول: — لا تقلقي يا ماجدة… أنا عيناكِ الآن. كنت أصدقه. فحين يفقد الإنسان بصره، لا يبقى أمامه إلا أن يثق بالصوت الذي يقوده… حتى لو كان ذلك الصوت يكذب. في ذلك الصباح، لم يحضر أنس إلى المستشفى. اتصل معتذرًا، وقال إن اجتماعًا طارئًا في مكتب المحاماة منعه من المجيء، ووعدني بأنه سيأخذني مساءً، حاملًا باقة من الزهور البيضاء، “تمامًا كما فعل في أول لقاء بيننا.”
لكن الطبيب سمح لي بالمغادرة قبل الموعد. وقبل أن أغادر قال بهدوء: — عودي إلى المنزل، وتجنبي الإضاءة القوية والانفعالات اليوم. ليتني استمعت إلى نصيحته. أصرت أمي على مرافقتي، لكنني رفضت. أردت أن أرى بيتي وحدي… أن أتعرف بعينيّ على الجدران التي حفظتها أصابعي، وعلى المطبخ الذي تعلمت التنقل فيه دون أن أرى، وعلى الشرفة التي تخيلت منظرها مئات المرات. في الطريق، كانت المدينة تبدو جديدة تمامًا. الألوان أكثر إشراقًا مما أتذكر، والوجوه غريبة، وكل شيء بدا حيًا بصورة أربكتني.
ورغم ذلك، لم يكن يشغلني سوى أنس. تساءلت كيف أصبح شكله بعد عامين. هل تغيرت ملامحه؟ هل ظهر الشيب في شعره؟ وهل سيبتسم بالطريقة نفسها عندما يراني أفتح عينيّ أخيرًا؟ وصلت إلى المبنى، وصعدت الدرج ببطء حتى وقفت أمام باب شقتنا. وقبل أن أفتحه، استوقفتني رائحة قهوة… ورائحة عطر نسائي. لم يكن عطري. كان عطرًا حلوًا بنفحات الفانيليا. شعرت بانقباض غريب في صدري. أدخلت المفتاح، وفتحت الباب. كانت الشقة مضاءة بالكامل، والستائر مفتوحة، وعلى الأريكة استقر وشاح حريري أحمر.
عرفت صاحبته فورًا. إلهام… أختي الصغرى. الأخت التي أخبرني أنس منذ عامين أنها غادرت المدينة بعد خلاف بيننا، ولم تعد قادرة على تحمل رؤيتي وأنا فاقدة للبصر. كنت أبكي اشتياقًا إليها… وأدافع عنها كلما سألني أحد عن سبب انقطاعها. وفجأة… سمعت ضحكتها تخرج من المطبخ. تقدمت بصمت. كانت خطواتي بطيئة، بينما قلبي يزداد اضطرابًا مع كل خطوة. وعندما وصلت إلى الباب… تجمدت في مكاني. كان أنس يقف بين ذراعي إلهام. كانت تجلس فوق طاولة مطبخي، مرتدية روب الحمام الخاص بي، بينما كان يقبلها بهدوء رجل اعتاد هذا المشهد منذ زمن.
لم تكن قبلة عابرة. كانت قبلة بيت… واعتياد… وخيانة عمرها أطول بكثير مما تخيلت. لم أصرخ. لم أبكِ. وقفت فقط أحدق. لاحظت بقعة القهوة على الطاولة… وطلاء أظافر إلهام الأحمر… وهاتف أنس بجوار المغسلة. وعلى شاشته رسالة تقول: “لن ترى الحقيقة أبدًا… وبعد انتهاء البيع سنرحل.” قبل أن أستوعب ما قرأت، دفعت إلهام أنس ضاحكة وسألته: — هل أنت متأكد أنها لن تعود قبل المساء؟ ضحك بثقة وقال: — ماجدة؟ من دوني لا تستطيع حتى عبور مدخل المبنى. وحتى لو بدأ بصرها يتحسن، فلن ترى سوى ظلال لأيام.
حينها فقط فهمت… هو لا يعلم أنني أراه. أراه بوضوح. وأرى كل ما حاول إخفاءه. ابتعد قليلًا، وفتح أحد الأدراج. سألته إلهام: — وماذا عن الأوراق؟ قال وهو يخرج ملفًا: — انتهيت منها تقريبًا. غدًا ستوقع عليها، وسأخبرها أنها تخص تجديد تأمين الشقة. هي توقع دائمًا حيث أضع إصبعها. شعرت بأن أنفاسي تختنق. ثم سألت: — وميراث أمها؟ خفض صوته وقال: — أصبح تحت السيطرة. وبعد التوكيل الأخير لن يبقى باسم ماجدة شيء… لا الشقة، ولا منزل الساحل، ولا حصتها في المعرض.
في لحظة واحدة… لم تعد الخيانة هي الكارثة الوحيدة. كانا يسرقان حياتي كلها. زواجي… وأموالي… وذكريات أبي. بينما كنت أحاول استيعاب ما أسمع، وقعت عيناي على زجاجة بنية صغيرة قرب آلة القهوة. عرفتها فورًا. قطرات العين التي كان أنس يصر على إعطائي إياها كل ليلة بعد العملية. قال إنها تحميني من الالتهاب. لكن كلمات الدكتور بليغ عادت إلى ذاكرتي: — تحاليلك أظهرت مادة لم أصفها لكِ أبدًا. تقدمت خطوة. ثم أخرى. سمع أنس صوت الأرضية، فالتفت نحوي.
التقت أعيننا. شحب وجهه في لحظة، وكأن الدم غادره دفعة واحدة. أما إلهام، فأطلقت صرخة وهي تشد روب الحمام حولها. التقطت الزجاجة. نظرت إلى الملصق. لم يكن يحمل اسمي. ولم يكن دواءً من الصيدلية. كانت زجاجة مجهولة، كُتب عليها بقلم أسود: “جرعة الليل… لإبطاء التعافي.” اقترب أنس ببطء وهو يحاول استعادة هدوئه. قال بصوت خافت: — ماجدة… ضعي الزجاجة. رفعت رأسي ونظرت إليه. وللمرة الأولى منذ عامين… أدرك أنني أراه. ابتسمت. لم تكن ابتسامة امرأة انتصرت…
بل ابتسامة امرأة انتهى خوفها، وبدأ خوف من أمامها. وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتفي. كانت رسالة جديدة من الدكتور بليغ. «”لا تدخلي المنزل وحدك. نتائج التحاليل أكدت وجود تسمم متعمد. اتصلي بالشرطة فورًا.”» الجزء الثاني: ما رأيته أولًا أضاءت رسالة الدكتور بليغ شاشة هاتفي، لكنها لم تكن مجرد رسالة… كانت الحقيقة الأخيرة التي كنت أحتاج إليها. «”لا تدخلي إلى منزلكِ بمفردكِ. نتائج التحاليل أكدت وجود تسمم متعمد. اتصلي بالشرطة فورًا.”» شعرت وكأن الزمن توقف. حولي كان كل شيء يبدو طبيعيًا بصورة مخيفة؛ ضوء المغيب يتسلل عبر النافذة، فناجين القهوة قرب المغسلة، وفتات كعكة الليمون الذي خبزته بيدي قبل أيام.
كم يبدو الشر هادئًا… لا يأتي دائمًا مرتديًا قناع الوحوش، بل قد يجلس إلى مائدتك، ويشاركك قهوتك، ويخبرك كل ليلة أنه يحبك. اقترب أنس مني بخطوة بطيئة، وقال بصوته الهادئ الذي طالما صدقته: — ماجدة… استمعي إليّ. أما إلهام، فقد اختفى عنها كل ما كانت تتصنعه قبل لحظات، وشدت روب الحمام حول جسدها وهي تهمس بوجه شاحب: — هل… هل ترين فعلًا؟ لم ألتفت إليها. كانت عيناي معلقتين بوجه الرجل الذي ظننته يومًا سندي الوحيد.
رفعت الزجاجة الصغيرة أمامه وسألته: — منذ متى؟ ارتبك للحظة. — منذ متى ماذا؟ نظرت إلى الملصق ثم إليه من جديد. — منذ متى وأنت تضع هذه المادة في عيني كل ليلة؟ تغيرت ملامحه سريعًا، لكنه استعاد هدوءه المصطنع وقال: — أنتِ مرتبكة. الطبيب أخبرك أن بصرك سيعود تدريجيًا، وقد يسبب لك ذلك تشوشًا في الإدراك. ضحكت. لم تكن ضحكة فرح… بل ضحكة امرأة سقطت آخر أكاذيبها. قلت بهدوء: — وهل من التشوش أيضًا أن أرى زوجي يقبّل أختي فوق طاولة مطبخي؟
ساد الصمت. خفضت إلهام رأسها، بينما التفت إليها أنس بعصبية لأول مرة. — اذهبي وغيري ملابسك. — لكن… — قلت الآن! ابتعدت وهي ترتجف. وعندما مرت بجوار الكرسي، وقعت عيناي على عباءة خضراء كنت قد أهديتها لها في عيد ميلادها. حينها فقط أدركت الحقيقة كاملة. لم تغادر المدينة أبدًا…