
أخذت نفسًا متقطعًا ولسه هتكلم، لقيتها بتسبقني وهي بتقول: وقبل الحا.دثة بشهرين… عرفت إني حامل. الكلمة خبطت في ودني وحسيت الأرض بتميد بيا. ساره أغمضت عينيها وقالت وهي بتبكي بحرقة: يومها حسيت إن الدنيا كلها اسودت في وشي وقلت لعمر إن ربنا بيعاقبنا على ذنبنا… لكن هو ح.ضني وقال لي: الطفل ملوش ذنب وإحنا اللي لازم نتحمل نتيجة غلطتنا ونصححها وأنا مش ههرب ولا هتخلى عنك ولا هسيب ابني ييجي الدنيا من غير اسم. كانت بتتكلم وأنا شايفة عمر قدامي.
شايفاه وهو بيقول الكلام ده بنفس ابتسامته الهادية ونفس الطيبة اللي اتربى عليها. كملت وهي بتشهق من العياط: قبل الحا.دثة بيوم، كلمني وقال لي: خلاص… بكرة هروح لأمي وهقولها كل حاجة ومهما حصل أنا مستعد أتحمل غضبها، بس مش هفضل مخبي عنها أكتر من كده. شهقت من غير ما أحس. يعني… عمر ما كانش راجع من مشوار عادي. كان راجع لي. كان جاي يعترف. كان جاي يصلح غلطته. كان جاي يخليني أعرف إني هبقى جدة…
لكن الموت سبقه. غطيت وشي بإيديا وانفجرت في البكاء لأول مرة من خمس سنين بنفس الوجع، لكن الوجع المرة دي كان مختلف. وجع ابن كان بيحاول يعمل الصح… بس القدر ما اداهوش فرصة. سكتت ساره شوية وبعدها قالت بصوت أوطى: بعد ما عمر ما.ت… حسيت إن الدنيا انتهت. أهلي عرفوا كل حاجة وطردوني من البيت وقالولي إني جبت العار للعيلة ومبقاش عندي مكان أروح له. كانت دموعها بتنزل في هدوء وهي بتكمل:
كنت حامل في شهرى التالت وكل يوم كنت أصحى وأنا بفكر أنهي حياتي… لكن كل ما أحط إيدي على بطني، كنت أفتكر إن دي آخر حاجة سابها عمر في الدنيا. رفعت عينيها ناحيتي وقالت: في الوقت ده ظهر مصطفى. لفت أبص للراجل الواقف بره، اللي كان ماسك إيد آدم وبيضحك معاه. ابتسمت ساره ابتسامة امتنان وقالت: مصطفى كان عارف كل حاجة… من أولها لآخرها. عمره ما سألني ليه ولا عايرني ولا بصلي نظرة تقلل مني. كل اللي قاله: الذنب ذنبكم، لكن الطفل ملوش ذنب ولازم يتربى في بيت يستره.
دموعي نزلت أكتر. اتجوزني وسترني ولما آدم اتولد كتبه باسمه ورباه كأنه ابنه من أول يوم وعمره ما فرق بينه وبين نفسه ولا مرة خلاه يحس إنه مش ابنه. بصيت من الشباك. كان مصطفى بيضحك لآدم وهو بيربط له جاكيت المدرسة. المشهد كله كان مليان رحمة. قلت بصوت متعب: طب… ليه جيتي دلوقتي؟ ابتسمت ساره وهي بتمسح دموعها. لأن مصطفى اتنقل شغله هنا ولما عرف إن حضرتك بتشتغلي في الحضانة دي، قالي: يمكن ربنا كاتب إن الست دي تشوف حتة من ابنها قبل ما العمر يجري أكتر من كده.
سكتت لحظة وبعدين قالت: أنا كنت خايفة… خايفة تكرهيني، أو تطرديني، أو تقوليلي إن مليش حق أقرب منك… لكن مصطفى هو اللي شجعني وقال لي: أم عمر من حقها تعرف الحقيقة ومن حقها تشوف حفيدها. أول ما قالت كلمة حفيدها… حسيت قلبي اتفتح بعد ما كان مقفول خمس سنين. قمت من مكاني من غير ما أحس. قربت من ساره. بصيت في وشها ثواني طويلة. وبعدين ح.ضنتها. ح.ضنتها بكل الوجع اللي كان جوايا. عيطت على عمر…
وعيطت عليها… وعيطت على نفسي… وعلى خمس سنين ضاعوا وأنا فاكرة إن ربنا أخد مني كل حاجة، من غير ما أعرف إنه سابلي جزء من ابني بيكبر في الدنيا. خرجنا سوا. أول ما شافنا مصطفى، ابتسم في هدوء ونزل آدم من على كتفه. جري الولد ناحيتي وهو مستغرب الدموع اللي على وشي. نزلت على ركبتي قدامه. فضل يبصلي بعينيه الواسعة وبعدين مد صوابعه الصغيرة ومسح دمعة نزلت على خدي وقال ببراءة: إنتِ بتعيطي ليه يا ميس نادية؟
ضحكت وسط دموعي. وحطيت إيدي على خده ولمست الوحمة الصغيرة اللي تحت عينه الشمال وحسيت كأني بلمس ذكرى عمر وهو طفل. قلت وأنا بصعوبة ماسكة نفسي: عشان ربنا كريم يا آدم… كريم أوي. ابتسم من غير ما يفهم. فتح دراعاته الصغيرة. فارتميت في ح.ضنه. ولأول مرة من يوم ما د.فنت عمر…
حسيت إن قلبي، اللي كنت فاكرة إنه ما.ت معاه تحت التراب، رجع يدق من جديد وإن الرحمة الإلهية بتيجي أحيانًا من أبواب عمر الإنسان ما يتخيلهاش وإن ربنا، رغم إنه أخد مني ابني، ما حرمنيش من أثره، بل أبقاه ماشي على الأرض في طفل صغير، يحمل ملامحه وضحكته وحتى الوحمة اللي كنت فاكرة إنها اخت.فت من حياتي إلى الأبد ومن يومها، ما بقاش آدم مجرد طفل في فصلي، لكنه بقى أغلى أمانة تركها لي عمر وأجمل عزاء وهبني الله إياه بعد سنوات الفقد الطويلة.

