
— قولي لأمك تجهز بط، وممبار، ورز، وسلطة، وآيس كوفي، وفاكهة شكلها يفتح النفس، عشان الشهر ده هجيب شلة الستات صاحباتي في روتاري المعادي على عزبة ابني.
وقفت وأنا إيد مليانة طين والإيد التانية ماسكة بيها الموبايل، وببص على الخس اللي لسه حالا نقلاه في أرض أمي في القناطر.
— يا طنط ميرفت، دي مش عزبة ابنك.. دي بيت أمي.
— جرى إيه يا مي، متبقيش قفوشة ورخمة كدة! ما هو ابني عايش هناك، يبقى بيت ابني. وإذا كان بيت ابني، يبقى من حقي أتباهى بيه شوية.
أنا خلاص قولت لصاحباتي إن كريم اشترى أرض وممتلكات كبيرة وليها جنينة وتراس، فـ متهزأينيش وتكسريني قدامهم.
وقامات قافلة السكة من غير ما تستنى رد.
فضلت واقفة متلجّمة كام ثانية. بعدين بصيت على البيت اللي من دورين، والورد، وشجر الليمون، والكنبة اللي أمي، الحجة شادية، بتقعد تشرب عليها القهوة كل يوم العصر من ساعة ما بابا مات. البيت ده مكنش بتاع كريم، ولا بتاع حماتي. ده كان المكان الوحيد اللي أمي شقيت فيه واهتمت بيه بقالها 30 سنة بإيديها الإتنين.
أنا وكريم عزلنا وعشنا هنا من 4 شهور. بعنا شقتنا اللي في التجمع عشان أمي مكنتش قادرة لوحدها على شيل الأرض دي كلها. والفلوس اللي طلعت من البيعة، صلحنا بيها السقوف، والحمامات، وحتة من المطبخ؛ والباقي شلناه قرشين لزمن وعجزنا.
كريم هو اللي اقترح العزل ده من الأول.
— أمك مش لازم تشيل شيل تقيل ولا تطلع تقلم الشجر — قالي كدة — بعدين أنا طول عمري نفسي يكون عندي أرض أزرعها.
وده كان حقيقي فعلاً. كان يرجع من شغله، يقلع الكرافتة ويلبس جزام الشغل الزراعي وينزل الأرض وهو فرحان زي العيل الصغير. وأمي كانت بتموت فيه وبتعشقه.
بس طنط ميرفت لما سمعت كلمة “بيت كبير”، خيالها سأقها لبعيد. الأول فضلت تقول إني جرجرت ابنها عشان يعيش “مقطوع وضهر مكشوف”. بعدين، لما شافت صور الجنينة من بنت عمها الفتّانة، بدأت تتفشخر وتقول إن كريم اشترى عزبة.
بالليل، وإحنا بنتعشى، رميت القنبلة.
— مامتك عايزة تجيب شلة الستات صاحباتها يوم السبت هنا.
كريم كان هيتخنق باللقمة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— في بيت أمك؟!
— بتقول إنها عزبة ابنها. وعايزة أمي تجهز أكل “على مستوى عالي”.
أمي سابت المعلقة من إيديها على الطبق.
— مستوى عالي؟
— بط، وممبار، ورز، وسلطة، وآيس كوفي، وفاكهة. وأكيد نهى هتتصل عشان تزود طلبات تانية من عندها.
وكأنها كانت مستنياني أنطق اسمها، موبايلي رن. كانت نهى، أخت جوزي.
— مي، ماما خلاص قالتلي على موضوع يوم السبت.
بصي بقى، صاحباتها ذوقهم عالي وبوقهم متعود على الغالي. مش عايزين أكل بلدي بسيط، ماشي؟ لو هتعملوا لحمة، اعملوها مشوية على الفحم بطريقة نضيفة. والصلصات تكون مسبكة ومعمولة في البيت. والخضار يكون أورجانيك، إياكي تطلعي حاجات من السوبر ماركت.
— طبعاً — قولت وأنا ببص على الخس اللي مليان طين — هتبقى تجربة أورجانيك على أبوها.
— آه، وقطعي لهم فاكهة شكلها حلو. ماما لازم ترفع راسها وتتشرف قدامهم.
قفلت الموبايل، وكريم خبط الفوطة في التربيزة بعصبية.
— لأ بقى، أنا هكلمها حالا وألغي الليلة دي كلها.
— لأ — قولتله.
— يعني إيه لأ?
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— لو ألغيت، هتقول إني قلبتك عليها وهتفضل تذلنا بالكلمة دي 10 سنين قدام. خليهم يجوا أحسن.
أمي بصتلي وهي مستغربة وبكل فضول قالتلي:
— وهتطبخي لهم كأنهم ملكات؟
— أيوة. بس في البيت ده، ماحدش بياكل ببلاش.
كريم هو أول واحد فهم دماغي، وابتسامة خبيثة ورسمت على وشه بالراحة.
— الأرض اللي ورا لسه مليانة نجيل وحشيش عايز يتشال.
— ولسه فيه طوب وزلط كتير عاوزه يتنقل — أمي زودت وهي ميتة على روحها من الضحك — وفيه كمان الحلل الكبيرة والطشوش بتاعة الممبار الكبيرة عايزة تتغسل.
— حلو أوي، يبقى كدة معانا جرسونات، وشغالين في الأرض, ومساعدين مطبخ — قولتلها.
بعدها بيومين، مرات أخو جوزي حبت تشارك هي وعيالها وقالتلك “نيجي نعمل معسكر ونشوي لحمة”. رديت عليها بكل ترحيب وقولتلها إن بالصدفة هيوصل 80 شوال سماد وسباخ للأرض، والعيال ممكن ينقلوا الزلط الصغير كنشاط ترفيهي في الطبيعة، وجوزها هيبقى ممتاز جداً في شيل ونقل الشكاير دي. لغت الفكرة في 3 دقايق.
يوم السبت الصبح، الجو كان صافي وحار جداً. أمي طبخت وعملت أكل يكفي مولد. كريم اشترى جوانتيات، وطواقي خوص للشمس، وجزم بلاستيك رخيصة وبنطلونات شغل واسعة ومشجرة. وأنا جهزت الفؤوس والجرايد ورا المخزن.
على الظهر، وصلت 3 عربيات مرسيدس بيلمعوا. طنط ميرفت نزلت بفستان حرير، ونظارة شمس، وكعب عالي رفيع. ووراها نازلين 8 ستات بشنط ماركات، وضوافر طويلة، وبرفانات كانت بتنافس ريحة التقلية والأكل.
— بصوا بقى — حماتي زعقت بفخر — مش قولتلكوا إن ابني كريم عايش عيشة الباشوات والأعيان؟
الستات سقفوا. وأنا ابتسمت.
مكنوش يعرفوا إن التربيزة مفروشة وجاهزة آه، بس الحساب جاي ومعاه طين الأرض.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الجزء الثاني
قعدناهم تحت ضل شجرة الجميز الكبيرة. أمي قدمت البط، والممبار المحمر، والرز، وسلطة من الأرض، وعيش سخن لسه طالع من الفرن، وعصير كركديه ساقع. طنط ميرفت محركتش صباع. كانت نازلة أوامر وبس.
— مي، هاتي مناديل كمان.
— يا شادية، الممبار حلو بس أنا بحبه مقرمش عن كدة شوية.
— كريم، هات تلج. صاحباتي مش متعودين يشربوا مية فتره.
جوزي كان رايح جاي بابتسامة صفرا ومجاملة بزيادة.
أنا كنت عارفة إنه بيعد لمليون عشان ميتفجرش فيها.
صاحبات حماتي كانوا بياكلوا وهما طايرين من الفرحة.
— يا ميرفت، يا بختك. ابنك عرف يستثمر فلوسه صح.
— والعروسة بتسمع الكلام ومطيعة وزي الفل.
— يا ريت جوز بنتي كان جابلي بيت زي ده.
طنط ميرفت رفعت راسها لفوق بفخر:
— ما أنا طول عمري مربية عيالي صح. كريم طلع شقيان وعنده نظر. المكان ده كله من شقاه وتعب إيديه.
كريم كح.
— ماما…
دوست على رجله بالراحة من تحت التربيزة. لسه مش دلوقتي.
لما خلصوا أكل، واحدة من الستات اتسندت لورا على الكرسي وقالت:
— ودلوقتي بقى، عايزين فنجان آيس كوفي وبعدها تعسيلة ونوم شوية.
طنط ميرفت فرقعت صوابعها:
— مي، هاتي القهوة بالكتير والتلوج. وقبل ما نمشي، اقطعي لنا كام كيس خس، وطماطم، ونعناع. عايزة أخد معايا لنهى وأنا مروحة.
— من عنيا — قولت — أصلاً إحنا مجهزين كل حاجة عشان تاخدوا معاكم حاجات كتير وأنتوا ماشيين.
أمي وقفت وتنحنحت كدة عشان تلفت الانتباه:
— يا ستات، نورتونا والأكل يا رب يكون عجبكم. دلوقتي بقى ندخل على الجزء التاني.
طنط ميرفت حواجبها اترفت باستغراب:
— جزء تاني إيه?
— الحساب والدفع.
واحدة من الستات ضحكت بتهكم:
— دفع؟ هو أنتي هتحاسبينا وتتطلبي فلوس؟
— لأ مش فلوس — أمي ردت — في البيت ده، اللي بياكل من خير الأرض، بيساعد الأرض.
في اللحظة دي ظهر كريم وهو شايل طشتين كبار مليانين بنطلونات واسعة مشجرة، وطواقي خوص، وجوانتيات كوشوك، وشباشب بلاستيك.
— يا ستات، معانا مقاسات مختلفة. عشان الكعب العالي بتاعكم ميبوظش.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
السكوت اللي خالص حصل كان يتاكل حاف من كتر حلاوته.
— أنت بتهزر يا كريم؟ — حماتي قالت بنبرة صدمة.
— لأ يا ماما مش بهزر. أنتي كنتي عايزة توري صاحباتك عيشة الريف والأرض، أهي عيشة الريف قدامكم اهي.
— أنا مش هنزل الطين والزرع باللبس ده.
— ما أنا عشان كدة جبتلك بنطلون عليه عباد شمس، هيليق جداً مع شخصيتك.
واحدة من صاحباتها حطت إيدها على عقدها بصدمة:
— ميرفت، هي دي الخروجة والفسحة اللي قلتي لنا عليها؟
حماتي حاولت تقوم:
— إحنا ماشيين.
— البوابة الكبيرة مقفولة بالجنزير — كريم قال بكل برود وهدوء — مش حبس ليكم، لأ بس عشان لو اتسابت مفتوحة مواشي البقر بتاعة الجيران بتدخل تبوظ الزرع. بس قبل ما تمشوا، اقلها ساعدوا في لم الحاجة اللي أكلتوا فيها.
في نفس الدقيقة دي، وصلت عربية طنط إنصاف، رئيسة جمعية تنمية المجتمع في القرية، ومعاها 12 ست من ستات البلد. دول كانوا صاحبات أمي، ستات شداد، فرفوشين، وعندهم صحة وعافية من شيل الشكاير والشغل.
— يا شادية! — طنط إنصاف زعقت — جينا نتفرج على الستات الشيك اللطاف اللي كانوا عايزين ياكلوا ببلاش.
طنط ميرفت وشها جاب ألوان والدم هرب منه.
— ومين اللي قالكم الكلام ده؟
— الريح بتنقل الكلام يا هانم — طنط إنصاف ردت — وفي الريف والأرض، الكلام بيزرع ويكبر بسرعة.
ستات البلد نزلوا الأرض وبدأوا يشيلوا النجيل والحشيش بسرعة تخلي أي حد ينبهر. بعدين بصوا لضوافر الستات المعزومين الطويلة.
— يا لهوي، الإيدين دي متنفعش للطورية والأرض — واحدة منهم قالت — دول يروحوا على غسيل المواعين والحلل أحسن.
أمي ابتسمت:
— والحلل والطشوش موجودة وجاهزة.
خدناهم على الحوض والمغسلة اللي ورا. هناك كانت الحلل الكبيرة السودة من نار الطبخ، والصواني المدهنة، والأطباق، والكوبايات، والمغارف. سلمتهم جوانتيات بينك وسلك ألومنيوم خشن.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— لو الأرض مش هتعرفوا تشتغلوا فيها، المطبخ موجود. الإتنين شغل وفيهم بركة.
حماتي بصتلي وكأنها عايزة تولع فيا بجاز:
— مي، الحركة دي هتدفعي تمنها غالي أوي.
— مش أغلى من غدوة بط وممبار لـ 9 أفراد — رديت عليها.
لو عايزين تعرفوا حماتي انتهى بيها الحال إزاي وهي بتغسل الحلل وصاحباتها عمالين يأنبوها ويوبخوها إنها كدبت عليهم في موضوع “عزبة ابنها”، كملوا قراية، عشان هناك البرستيج والمنظرة بتاعتها وقعت خالص…
الجزء الثالث والأخير
في الأول كانوا بيغسلوا المواعين بقرف كأن الحاجه بتعضهم. ست ماسكة الطبق بصوبعين بالعافية. وست تانية بتدعك الحلة من برة وسايبة الدهون جوة زي ما هي.
طنط إنصاف وقفت جنبهم وهي ماسكة خرطة بطيخ في إيدها وبتأكل:
— لأ لأ لأ.. مش كدة الغسيل يا هوانم. هو أنتي في بيتك بتفرجي الطبق على الصابون بس؟
